الجاحظ

155

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

وكان يقال : « عقل الرجل مدفون تحت لسانه » . أبو الحسن : قال : قال الحسن : « لسان العاقل من وراء قلبه ، فإذا أراد الكلام تفكر ، فإن كان له قال ، وإن كان عليه سكت . وقلب الجاهل من وراء لسانه ، فإن همّ بالكلام تكلم به له أو عليه » . قال أبو عبيدة : قال أبو الوجيه : حدثني الفرزدق قال : كنا في ضيافة معاوية بن أبي سفيان ، ومعنا كعب بن جعيل التغلبي ، فقال له يزيد : إن ابن حسان - يريد عبد الرحمن بن حسان - قد فضحنا ! فاهج الأنصار . قال : أرادّي أنت إلى الإشراك بعد الإيمان ، لا أهجو قوما نصروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ولكني أدلك على غلام منا نصراني كأن لسانه لسان ثور . يعني الأخطل . وقال سعد بن أبي وقاص ، لعمر ابنه حين نطق مع القوم فبذّهم ، وقد كانوا كلموه في الرضا عنه . قال : هذا الذي أغضبني عليه ، إني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول : « يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم ، كما تلحس الأرض البقرة بلسانها » . قال : وقال معاوية لعمرو بن العاص : « يا عمرو ، إن أهل العراق قد أكرهوا عليّا على أبي موسى ، وأنا وأهل الشام راضون بك ، وقد ضم إليك رجل طويل اللسان ، قصير الرأي ، فأجد الحز ، وطبق المفصل ، ولا تلقه برأيك كله » . والعجب من قول ابن الزبير للأعراب : « سلاحكم رث ، وحديثكم غث . وكيف يكون هذا وقد ذكروا أنه كان من أحسن الناس حديثا ، وأن أبا نضرة وعبيد اللّه بن أبي بكرة إنما كانا يحكيانه . فلا أدري إلا أن يكون حسن حديثه هو الذي ألقى الحسد بينه وبين كلّ حسن الحديث . وقد ذكروا أن خالد بن صفوان تكلم في بعض الأمر ، فأجابه رجل من أهل المدينة بكلام لم يظن خالد أن ذلك الكلام كان عنده ، فلما طال بهما المجلس كأن خالدا عرض له ببعض الأمر ، فقال المدني : « يا أبا صفوان ، ما لي من ذنب إلا اتفاق الصناعتين » . ذكر ذلك الأصمعي .